منتدى مناهج النقد الأدبي المعاصر

منتدى يعنى بمناهج النقد الأدبي المعاصر .
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قراءة في مقدمة ديوان "مملكة الرماد" للشاعر حسن الأمراني الدكتور محمد خرماش أستاذ النقد الأدبي الحديث والمعاصر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد خرماش
Admin


المساهمات : 44
تاريخ التسجيل : 29/05/2008
الموقع : أستاذ باحث

مُساهمةموضوع: قراءة في مقدمة ديوان "مملكة الرماد" للشاعر حسن الأمراني الدكتور محمد خرماش أستاذ النقد الأدبي الحديث والمعاصر   الأحد ديسمبر 27, 2009 12:14 pm

قراءة في مقدمة ديوان "مملكة الرماد" للشاعر حسن الأمراني

د.محمد خرماش(*)




حول خطاب المقدمات

يدخل خـــطـــاب الــمــقــدمــات فــي نـطـاق مـا يسمى بالنصوص المصـاحبـة أو النصوص المسـاعـدة للـنـص الأصلي (Les paratextes) من مثل العنوان والعنوان الفرعي أو التنبيه أو التعليق أو التوقيع أو غيرها . وهي نصوص تكون مجموعة من العلامات التي تقدمه أو تؤطره أو تحدده أو تختمه وتغلقه ؛ وبعبارة شاملة فهي توفر له محيطا خاصا ومناخا معينا يساعد على بلورته واستيعابه . ولأهميتهما يقولMichel Hausser عن العنوان مثلا :" قبل النص هناك العنوان وبعد النص يبقى العنوان "(1)

وعلى العموم ، فهذه الإكسسوارات تشكل عناصر هامة وتحتل مواقع متميزة في نطاق تداولية النص الأساس ؛ وقد يعول عليها الكاتب كثيرا في جذب قارئه أو في التأثير عليه أو في الإيعاز له باستراتيجيته الخاصة .

ونظرا لأهميتها في مصاحبة النص وفي تأطيره ، فقد أوليت مؤخرا أهمية كبيرة في الدراسات الأدبية ، وذهب البعض إلى حد اعتبارها جنسا أدبيا خاصا ربما يتغير تعريفه فقط أو تختلف النظرة إليه بحسب الاتجاهات والعصور.(2)

ويعطيها J.Genette دورا خطيرا في إقحام النص في المؤسسة الأدبية ، وبواسطتها يصبح النص في نظره كتابا(3). كما أن Kierkigaart كان يؤكد باستمرار أن خطاب المقدمات يشكل نوعا أدبيا خاصا يمكن ان يمارس لذاته كما يمكن أن يفرض نفسه كباقي الأجناس . وقد كتب هو بدوره عددا من المقدمات لعدد من المؤلفات لم تؤلف قط .

وبهذا الطرح ، يمكن أن نتبين مدى اتساع وتنوع المشاكل التي يمكن أن تطرحها قراءة خطاب المقدمات وما جرى مجراها أو لف لفها .

وعلى كل حال ، فالمتعارف عليه في المقدمات الكلاسيكية أنها تحاول تحديد زاوية النظر إلى العمل كما تحاول إبرازه باعتباره ثمرة إنتاج موجه بطريقة ما . وأنه لا بد من تقدير ذلك التوجيه ؛ فهي إذن تدافع عن النص ضد عدم الفهم وضد التأويلات المغلوطة ، كما تحرصُ على إعادة تداوليته وإبراز رسالته ، لكنها تبقى بدورها خطابا مكتوبا يحتاج إلى قراءة ويحتاج إلى تأويل . ويمكن أن تطرح هذه القراءة أسئلة تتعلق بمكوناته وبعلاقته بالخطاب الأساس ؛ وهل نقرأ المقدمة من خلال النص أو نقرأ النص من خلال التقديم ، وهل يشتركان في نفس المنظور وفي نفس الطروحات أم يزيد أحدهما على الآخر في ذلك ؛ ويزداد الأمر صعوبة وإشكالا عندما نكون بصدد خطاب أدبي هو خطاب تخيلي بامتياز ؛ فهل تشترك المقدمة معه في عالمه التخيلي أم تنفصل عنه لتؤسس خطابا آخر قد يكون خطابا نقديا وقد لا يربطه بالخطاب الأول إلا بعض المناحي التقنية أو بعض الجوانب المعيارية ، وهل سيكون خطاب المقدمة آنئذ تقديما للمتخيل أم تخيلا للتقديم ؟ فإن كانت الأولى -وقد لا تسلم من الثانية- فهل الجهد المبذول في التقديم سينصب على تمثل ذلك العالم المتخيل وعلى سبر كوامنه قصد الاستجلاء والاستعراض،وهل في نفس القدرات ونفس الإجراءات بالنسبة للمبدع وللمقدمة أو للمقدم المبدع؟ أم سينصب على خلق خطاب آخر للتقديم تكون بنية استراتيجية معينة، وقد يرتبط بالنص ارتباطا سريا وسريا عميقا. وإن كانت الثانية -وقلما تنجو الأولى- فماذا سيكون منطلق تخييل التقديم وماذا ستكون مرجعيته حينما يتم إنجازه ؟ وهل هي نفس مرجعية الخطاب المقدم له بمزيد من التوضيح والتقريب ، أم مرجعية أو مرجعيات أخرى يمكن توظيفها مستقلة أو من أجل البحث في النص الأصلي عما يسميه "رابليه" مثلا بالمادة الجوهرية أو "النخاع المدسوس" .

لا شك أن عدة اعتبارات ستدخل في التقدير حينما نخوض في هذه الإشكالية وليس بأقلها حضورا التمييز مثلا بين من يقدم لنفسه ومن يقدم لغيره ، وكذا التمييز بين نوعية الخطاب وأصول المرجعيات سواء في النص المقدم له أو في نص التقديم.

إن الكاتب الذي يقدم لنفسه سيكون كاتبا مضعفا Dédoublé في شخصه وفي كتابته ، لأنه وهو يبدع غيره وهو يقدم ما أبدعه ، بمعنى أن التقديم وما يقدم له إنتاجان مختلفان ولو كانا لنفس الكاتب الذي يقوم فيهما بدورين متمايزين ويخلق وضعيتين مختلفتين للتلفظ وللملفوظ . ولذلك ، فإنشاء مثل هذه المقدمات المضعفة أو " الهيتروغرافية "Hétérographe .وقد يعرف بعض الإرغامات لأنه سيخضع من جهة لقواعد بنائية معينة ، ومن جهة أخرى عليه أن يقوم بتغيير عناصر عملية التواصل المرجوة في كلتا الحالتين ؛ وكأني بالكاتب الذي يقدم لنفسه يبعث بإرسالية تستقبل على مرحلتين أو على سرعتين : مرحلة المقدمة الواعدة التي تقتضب وتشوق وتراوغ ، ومرحلة النص الذي يكون قد عرف قبل أن يقرأ ، والذي يشي صاحبه أو يفضحه من حيث يريد دعمه وحمايته وتوجيهه .

أما الكاتب أو الأديب الذي يقدِّم له غيره ، فسيكون تقديمه بمثابة حفلة تنصيب ، وستكون المقدمة بمثابة حملة دعائية أو حملة إشهارية لبيع منتوج جديد ، تحت لافتة المقدم الذي هو الضامن لجودته بضمان رصيده واسمه وتوقيعه ، والذي يهيئُ له من قرائه المعتادين زبناء أو مستهلكين جاهزين . ولن يكون الرابح في هذه العملية هو الأديب أو النص المقدم له فقط ، وإنما هي مصالح متبادلة ضمنيا في مثل هذا الخطاب ؛ لأن التقديم وهو بمثابة شهادة اعتراف بالمقدم له أو حفلة لتسليمه سلطة الكلمة ، يتضمن اعترافا أصليا بملكية هذه السلطة أولا وهو أحق بممارستها وقد طلب منه ذلك وأعطيت له الكلمة مسبقا ؛ ولذا فقد يكون تدخله بمثابة الظل الذي ينشره على النص الذي سيعرف من خلال النوافذ التي يشرعها له ، وربما زاحمه فغطى عليه وعلى صاحبه . ولنا في تاريخ المقدمات الخاصة أو المستعارة أمثلة للمقدمات التي استطاعت أن تحجب النص المقدم له وأن تنتشر أكثر منه أو عوضا عنه ، ومنها مقدمة كرميول Crommuell الذائعة الصيت التي اعتبرت إنجيل الرومانسية والتي قد لا يعرف الكثيرون إلى أي شيء هي تقدم ؛ ولا داعي لذكر مقدمة العلامة ابن خلدون فقد يكون لها شأن آخر .

في ضوء هذه الأطروحات والاستفسارات المتعلقة بإشكالية خطاب التقديم سأحاول أن أقرأ مقدمة الشاعر المغربي المعاصر حسن الأمراني لديوان "مملكة الرماد"، وهي مقدمة قصيرة نسبيا لكنها ذات صلة وثيقة ومباشرة بالمنظور الثقافي والفني للشاعر ، ومتكونة بطريقة تنم عن رغبتها وعدم رغبتها في الالتحام التام بالنص الذي تقدم له ؛ ولذلك سنتعامل معها كبنيات مستقلة أولا لمقاربة الخطاب الذي تنشئه ؛ ثم نحاول معارضتها ببعض النصوص المقدم لها لمعرفة الدسائس الاستراتيجية المهيأة لما تريد أن تقوله دون أن تعبر عنه .

مملكة الرماد"تنغيم"- تقديم حسن الأمراني
يلاحظ أولا أن الشاعر الأمراني قد وضع شبه عنوان فرعي هو "تنغيم" وسيعرض لهذا المصطلح في الجزء الأخير من مقدمته ؛ كما أضاف تحت العنوان في الصفحة الداخلية عبارة "تليها المقامات" أهملها في التقديم ؛ ويلاحظ أيضا أنه ابتدأ قبل التقديم بآية قرآنية هي قوله تعالى:{قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} البقرة 142 وبثلاثة أبيات لجوته J.W.Geothe ترجمها كالآتي :

" إن الشمال والغرب والجنوب تطير شعاعا، والعروش تتصدع والممالك تضطرب فانج بنفسك ، وأقبل على الشرق الطهور "

وكتب تحتها : إلى أكبر شاعر في الغرب تغنى بأنوار الشرق : J.W.Geothe

وكل هذه علامات قد يكون الشاعر قصد بها وضع المعالم الأولى لخطاطة توجهه وتوجيهه الذي سيعمل على بلورته في استراتيجية معينة أثناء التقديم ومن خلال قصائد الديوان كذلك . والمتحصل الأولي من كلمة التنغيم التي أضافها الشاعر إلى العنوان وحاول شرحها في التقديم شرحا معينا كما سنرى ، يفيد أنه لا يقدم شعرا خطابيا حماسيا أي شعر المقارعة والفكرة والإقناع أو شعر المنطق والمقايسات وإنما هي نغمات أو ترنيمات أو ذبذبات : أي مجرد خواطر تنساب بحرية وطلاقة ودون اصطناع أو تكلف ، وهذا يعني في الوجه الآخر إنها صادقة وبريئة وصادرة من الأعماق؛ وتلك بعض الاستراتيجيات التي تهيئها مثل هذه التأثيثات القبلية أو المساعدة ؛ أو لعلها بعض ما تتميز به من أساليب المراوغة والإخفاء قصد الإقناع بنقيض القصد كادعاء العفوية والسلاسة والانسياب لتبطين الموقف وتغليف وجهة النظر . ينم عن ذلك الافتتاح مثلا بالآية المنتقاة :{قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} أو بالأبيات المذكورة لجوته J.W.Geothe وهو يتغنى بالشرق وبأنواره على حد ما جاء في الإهداء . وهذه خطوة ثانية في بناء عملية التوجيه الحذر أو التوجيه الحصيف .

إن موضوع التغني أو التنغيم إذن هو الشرق ، وللشرق مكانة خاصة في الآثار ، فهو مبعث الطهر ومنبع النور ، وكيف لا يمتلك الوجدان أو تشيد بمجده العبقريات ؟ يضيء هذا الموقف كذلك أن الشاعر يحدد في الصفحة الموالية كتابة القصائد في باريس بين شتنبر 84 ويوليوز 85 وهي فترة إقامة في واحدة من كبريات العواصم الغربية الصادمة ، كفيلة بأن تسمح بإجراء المقارنات والاستنتاجات وتثير الشوق والحنين إلى المرابع والديار ، وذلك ما يكون قد أثار مثل تلك الخواطر عن الشرق وأهله .

ولله در ابن زيدون الأندلسي حينما يقول في مثل هذا المقام :

يا ساري البرق غــاد القصر فاسق به من كــــان صرف الهوى والود يسقينـا

هذا عن العنوان الفرعي وعن الاقتباسات والعلامات التمهيدية التي كشفت على الأقل أن التنغيم ليس تنغيما فقط ، وإنما هو تنغيم شيء بسبب شيء أو تنغيم لأجــــل شيء …

أما المقدمة فهي بعنوان : كلمة …عن الشعر

والكلمة طبعا قد تطول وقد تقصر وقد تكون خفيفة عابرة أو قوية مسؤولة لكنها دالة ومقروءة .

وقد جعل الأمراني كلمته في هذا التقديم على قسمين : قسم أول هو عبارة عن ملاحظات مرقمة وقسم ثان هو عبارة عن رأي في الشعر الحديث أو لعل الأصح في إيقاعه ومنه التنغيم .

وتربط الملاحظة الأولى بين الشعر وتجربة الوجود والحياة ، لكنها تركز على جانب الوجدان والانفـــعال ، فــتـــــراه "تجربة صوفية وتوحدا مع الكون والحياة والإنسان " ولـه جدوى لا بد أن يلتسع بها كيان الشاعر ، وإلا كان إنتاجه مجرد " ألفاظ باردة " وإذن فحرارة الشعر عنده من حرارة الانفعال والحياة ، وهذا ملمح رومانسي معروف سبق إليه الشاعر العربــي الذي قال :

ألا يـــــا طــائــــر الشرق إن الشعر أنغام ووجدان

ولنسجل من وراء ذلك أن الرؤية عندئذ هي رؤية القلب قبل رؤية العقل ، أو هي رؤية البصيرة قبل رؤية الاستبصار والتبصر ، وأن الهداية هي هداية الشاعر الاستلهامي أو الاستيهامي قبل أن تكون هداية (الشعر) أو الفكر التوهمي أو الإيهامي .

ويربط الأمراني في ملاحظة ثانية مدى نجاح التجربة الشعرية بمدى ذيوعها واستجابة المتلقــيــــن لها ، ويـــــــرى أن " أحسن ناقد هو الجمهور، يوم تلتقي مع الجمهور ، فيهتز خافقه مع اهتزاز خافقك . ويتلو عليك الشعر كما تتلوه عليه ، تستطيع أن تطمئن إلى أن كلماتك لم تذهب سدى "

ويمكن القول بأن هذا النوع من الإشارة إلى سوسيولوجية القراءة، أو التلقي ، هو نوع من الثقة في القارئ المفترض أو هو ببساطة نوع من الثقة في الذات مغلف بدعوى الثقة في الجمهور (وأي جمهور؟) ، وبمعنى آخر ، وتأكيدا لما سبق ، فهو يريد أن يقول بأن الكلمة إذا خرجت من القلب دخلت إلى القلب ، وهو لسان كلماته الصادقة العفوية البريئة التي سيهتز لها خافق الجمهور حتما كما اهتز بها خافقه أولا ، وهذا عنده هو مفهوم لاحق لمعنى الالتزام الذي يطرحه في الملاحظة الثالثة حيث يرى أن " الشعر الحق ليس حلية أو متاعا يزين به عنق راغب ، كيفما كان ، ينتهي الشعر "الملتزم" الذي ترسم له الطريق ، ويبقى الشعر المسؤول الذي يرسم الطريق "

ويمكن القول بأنه دائما في هذا التقديم على خط التأمل أو التملي والاستبطان قبل أن يكون على خط الرسم والتخطيط ؛ ولو في الظاهر على الأقل ، لأنه إذا لم يكن بين الالتزام والمسؤولية فارق أصولي كبير ، فقد نحا بكل منهما منحى خاصا يربط الأول بالمعرفة وكيفية التدبير ، ويربط الثانية بصدق النية وحسن التعبير ، لكن النية لا بد أن تكون نية شيء والتعبير لا بد أيضا أن يكون تعبيرا عن شيء .

في الملاحظة الرابعة من التقديم يثير الأمراني قضية التسمية في الشعر الحديث وما يتبعها ، ويرى أن التسميات على تعددها منصبة على الأعراض دون إدراك الجواهر أو الدلالة عل الخصائص الحقيقية ، ولذلك يقترح أن ينعت مجموعته السادسة بـــــــــ"الــتـنـغـيــم" وسيحاول أن يثبت بعض معاني هذا المصطلح في اللغة وفي التداول مركزا على الإطار الصوتي أو على جانب النبر الذي يحدث اختلافات بين بعض الجمل ، ثم ينزع بالتنغيم الذي يعتبره نمطا شعريا إلى الهمس والتطريب الذي" لا يتحقق إلا بمراعاة الشكل إلى جانب المضمون "، لكن في نطاق التفعيلة الخليلية التي تضمن إيقاعه وموسيقاه وتميزه عن " ذلك المخلوق الفني الذي يسمونه –على حد قوله – تسمية مركبة تحمل في ذاتها نوعا من التناقض : قصيدة النثر "

إن الورقة التي يلوح بها هذا التقديم إذن هي ورقة الشعر الهادئ الصادق العميق الذي يعزف بأوتـــــار القلوب و" يخلف وراءه الجلب والصراخ " وهي لعبة استراتيجية مزدوجة فيها إثارة وتشويق وتوجيه ، وفيها تغطية ذكية لاستنكار شعر القعقعة والمدافعة ، كما يدفع من بعيد بإيديولوجية مستترة تنطلق من مواقع المعارضة لكل تلك القيم المنتقدة ، وإثبات بالاستنتاج لخلافها .

وهذا أيضا مبرر الازدواجية الملحوظة في شخصية الأديب الذي يقدم لنفسه فيكون مطالبا بأن يوجه القارئ دون أن يضغط عليه ، ويلوح بقيام النص دون أن يتحزب له ، ويشجع على قراءته من غير تبدل أو إلحاف .

وقد استطاع حسن الأمراني في تقديمه القصير، إضافة إلى العلامات التي وطأ بها، أن يصطنع لمجموعته الشعرية إطارا من معاني البراءة والتلقائية والخفة والهمس والحميمية ، بيد أن مقاصده التوجيهية والإيديولوجية تكاد تطل من وراء كل ذلك على ما فيه من لباقة وتلطف ومراوغة .

ولا بأس أن نستشهد عليه في الأخير ومن الديوان بالاستهلال الأول في"قصيدة النذر" حيث يقول :

" بــشــر ليس ببـالي بالنـذر سائـمـا مثل جراد منتشر

فإذا داهـمــه هــذا الــردى قـال إنـي مـستجيـر مـدكر

وأحسب أن هذا أقرب إلى التحذير والتقريع منه إلى الـهمس والتنغيم والتطريب .

استنتاجات
وبعد فإن خطاب التقديم ، على ما لاحظنا ولا مسنا ، يتضمن نوعا من المراوغة لأنه يقوم على أساس الادعاء أو الدعوة ويعد بأشياء في النص ترغيبا وتشويقا ، لكنه يغلف ذلك بدافع التواضع أو التحايل إلى درجة التنكر أحيانا ، فيكون شبيها بمفارقة خطاب القائل بأنه صادق في كذبه ؛ فإن صدقناه أثبتنا العكس وإن كذبناه أثبتنا العكس كذلك . وعليه فقد يكون خطاب التقديم مخطئا في تأكيداته ومصيبا في إنكاراته والعكس صحيح . ولا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار ما قد يداخله من استعارات ومجازات قد تجعله مضعفا أو مسكونا بمفارقات يصعب على المنطق الصريح تجاوزها ؛ كما أن كثيرا من المقدمات التي تدعي أنها توضيحية أو توجيهية قد تزرع في ذهن القارئ نوعا من الشك أو الغموض أو الحيرة في استقبال النص لأنها تجعل من المراوغة طريقتها في الاشتغال ظنا أنها تكسبه بذلك هيبة وتشويقا وخصوبة . وكل المعاني التي يمكن أن تستخلص من هذا الخطاب لا يمكن إلا أن تؤدي إلى إقحام النص المقدم له في إشكالية القراءة أكثر مما تقدم أجوبة معقولة ومعلنة عنه .
ولعل تذبذبه أو عدم استقراره على خط معين في الطرح ، هو نوع من النية المبيتة التي يمكن أن تأخذ القراءة منها نقطة انطلاقها ، وهو الفرصة التي يهيئها الكاتب للقارئ بحق وصدق ، وكأنه يقول له كما قال "رابليه" "إعمل ما بدا لك" :
" Fais ce que tu voudras" .



الـهــوامـش
(*) الدكتور محمد خرماش أستاذ النقد الأدبي الحديث والمعاصر ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية – فاس – المغرب .

Michel hausser : sur les titres de gracq du colloque international (1)

d’Angers 21-24 mai 1981 Angers P U 1982-P167 .

Condillac : Du genre didactique – œuvres complètes –paris p 77 .(2)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://manahijnaqdia.3oloum.org
 
قراءة في مقدمة ديوان "مملكة الرماد" للشاعر حسن الأمراني الدكتور محمد خرماش أستاذ النقد الأدبي الحديث والمعاصر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» "عقدة البدري" تهدي الحدود اللقب الثاني
» زوج ساندرا بولوك يتحدث عن ملابسات "الخيانة"
» ?? «« قصـــة حيـــاة الجنتـــل الأسمـــر " تري هنري " »» ??
» اعرف اكثر عن زوجات الرسول"صلى الله عليه وسلم"
» فيت لأزالة الشعر الزائد " احسن طريقة بشهادة فتيات كتير "

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى مناهج النقد الأدبي المعاصر :: أبحاث و دراسات-
انتقل الى: