منتدى مناهج النقد الأدبي المعاصر

منتدى يعنى بمناهج النقد الأدبي المعاصر .
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  ستار تايمز نقد النقدالأدبي ووظائفه الثلاثة (موضوع منقول عن نفس الموقع)نقد النقد الأدبي ووظائفه الثلاث ناصح2020  16:48 - 2010/03/14 معلومات عن العضو

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد خرماش
Admin


المساهمات : 44
تاريخ التسجيل : 29/05/2008
الموقع : أستاذ باحث

مُساهمةموضوع: ستار تايمز نقد النقدالأدبي ووظائفه الثلاثة (موضوع منقول عن نفس الموقع)نقد النقد الأدبي ووظائفه الثلاث ناصح2020  16:48 - 2010/03/14 معلومات عن العضو    الخميس يناير 19, 2017 4:37 am

نقد النقد الأدبي ووظائفه الثلاث
ناصح2020
 16:48 - 2010/03/14 معلومات عن العضو
إذا كان النقد هو الجسر الذي تعبره علاقات النص الأدبي بكل من الأدب (الفن) والتاريخ والعلم، فإن نقد النقد هو الذي يفحص طبيعة هذه العلاقات ويراجعها ويقويها. فهو بدوره مبحث نقدي، غير أن موضوعه الحقيقي ليس هو الأدب وإنما النقد الأدبي.
فحين نتأمل- على سبيل المثال- مقطعا من دراسة محمد سويرتي لعمل الناقد سمير روحي الفيصل حول رواية “ألف ليلة وليلتان” لهاني الراهب:
“يستخدم الناقد (…) مصطلحين نقديين (…)، وهما “السرد التوليدي” و”السرد التزامني” (…)، مبرزا عدم انتماء هذه الرواية لروايات “تيار الوعي” (…) وترتكز هذه الرواية على الذات المتأزمة والهاربة دوما من نفسها (…) فرواية هاني الراهب تنتمي إلى الرواية الجديدة التي تتأسس على السطح”.
فإننا لا نتبين حقيقة هل يدرس ناقد النقد هنا العمل النقدي لسمير الفيصل، أم العمل الروائي لهاني الراهب. وذلك لأن سويرتي أهمل التمييز بين “النقد” باعتباره مبحثا يدرس الأدب، و”نقد النقد” باعتباره مبحثا يدرس النقد، أو أنه أراد أن يشتغل في نفس الوقت، بصفته ناقدا وناقدا للنقد (.
فالدراسات المتعلقة بالنقد الأدبي قد تجلي مظاهر وممارسات تثير استغراب أي متحمس لاستقلالية “نقد النقد” وضرورة انشغاله بموضوعه الحقيقي، الذي هو النقد، وفق مبدأ المواءمة ( pertinence ) العلمية. ومن أبرز هذه المظاهر تحول نقد النقد إلى نقد مباشر للأدب كما لاحظنا في النموذج السابق، أي تجاوز دراسة العمل النقدي إلى دراسة النص الأدبي المدروس أصلا في هذا العمل النقدي. ومن هذه المظاهر أيضا استعمال ناقد النقد لمناهج خاصة بدراسة الأدب في دراسة النقد، رغم الاختلافات النوعية بين المجالين. وتعتبر هذه المظاهر شائكة فيما يخص مناقشة مسار نقد النقد ووضعه الإبستمولوجي.
فقد ذهب حميد لحمداني إلى أن “نقد النقد مرتبط بنقد الإبداع لا بالإبداع ذاته” ؛ بينما هناك من يرى أن “ممارسة نقد النقد لا تتم في غيبة عن الكتابة الإبداعية، بل في تعالق معها” كما يشير د. لحمداني من جهة أخرى إلى أن “الموقع الطبيعي لناقد النقد هو أن يتخلى عن تبني أحد مناهج النقد الأدبي وأن يترك هذا الاختيار لنقاد الإبداع أنفسهم، لأن المجال الحقيقي لبحثه الخاص ليس هو المعرفة وإنما معرفة المعرفة”. وبالمقابل نجد دارسين آخرين يستخدمون مناهج النقد الأدبي لدراسة النقد نفسه، ومنهم محمد برادة الذي اعتمد منهج البنيوية التكوينية لدراسة أعمال الناقد محمد مندور، ومحمد خرماش الذي استخدم نفس المنهج لدراسة أعمال نقدية مغربية.
إن مرد هذه الظواهر يعود- في رأينا- إلى العلاقة الجينيالوجية ( Généalogique ) التي تربط بين النقد ونقد النقد: فقد ولد نقد النقد من رحم النقد، في صورة وعي نقدي يصاحب الممارسة النقدية ويتضافر معها، لذلك ظل بينهما رابط أشبه بالحبل السري. ولهذا فإننا نادرا ما نجد أحد النقاد يشتغل على الأدب دون أن يدلي بآراء أو تصورات حول النقد ذاته. فهذا الوعي النقدي هو بمثابة بذرة لنقد النقد، قد تظل حبيسة الاشتغال النقدي، وقد تتبلور في شكل خطاب ميتا- نقدي ( Méta-critique ) مستقل أو شبه مستقل.
ومن العلامات الدالة أن تأتي بدايات النقد العربي الحديث بمصنف مبكر لا يمكن إدراجه إلا ضمن نقد النقد، وهو كتاب قسطاكي الحمصي (1858-1941) “منهل الوارد في علم الانتقاد” (1907). فهو كتاب يراجع النقد العربي وينتقد النقاد العرب، القدماء منهم والمحدثين، ليقترح تصورا آخر للنقد. كما نجد عباس محمود العقاد يستعمل مصطلح “نقد النقد” معتبرا أنه مبحث ضروري لتصحيح انحراف النقد العربي وتخليصه من العصبية. وهناك أمثلة أخرى عديدة.
وقد تزايدت في العصر الحديث الاجتهادات الرامية إلى جعل نقد النقد مبحثا قائم الذات، له أدواته ومفاهيمه ومنهجه ووضعه الإبستمولوجي الخاص. و سنشير إلى بعضها بعجالة قبل أن نعرض تصورنا الخاص:
* أشار نبيل سليمان إلى “الثغرة” المتمثلة في “ضعف نقد النقد”؛ لذلك جعل هدفه هو سد تلك الثغرة: “إن طموح هذا الكتاب يتجه نحو المساهمة في مواجهة تلك الثغرة من خلال معالجة بعض نتاجنا النقدي الأدبي…”. غير أن نبيل سليمان لم يهتم كثيرا بالإشكالات المنهجية التي يثيرها “نقد النقد” والحدود التي ينبغي أن تفصله عن موضوعه الذي هو النقد، لذلك ظل في وضع مزدوج يجعل منه ناقدا للأدب وناقدا للنقد في نفس الوقت.
* وأشار محمد خرماش إلى أهمية نقد النقد وضرورة وجوده، حيث قال: “إن عملية النقد، أو “المَنْهَجَة”، تحتاج بدورها إلى متابعة ومراقبة وهي مسؤولية عملية “نقد النقد”، التي تهدف فيما تهدف إليه إلى تبين مجرى نهر النقد، ومدى مساهمة الروافد في ارتفاع منسوبه لأجل المحافظة على قوته وعظمته وعدم اكتساح الروافد له من كل جهة”. كما وضع خرماش يده على إشكالية المنهج في نقد النقد، مشيرا إلى ما تسببه من حيرة لدى دارس النقد. يقول: “إذا كان المنهج النقدي سلاحا فعالا في تحليل الخطاب الأدبي وفي سبر أغواره، فإن الأمر حينما يتعلق بالخطاب النقدي، وبالخوض في إشكالية المناهج ذاتها قد يكون مختلفا جدا، إذ يصعب على الباحث أن يطمئن إلى منهج بعينه ويتكئ عليه لفهم هذه الإشكالية وحلها أو لفهم مناهج أخرى وتقويمها”.
ورغم أن محمد خرماش تجاوز هذه الإشكالية حين قرر اعتماد منهج البنيوية التكوينية لدراسة الأعمال النقدية (التي تستخدم هذا المنهج نفسه)، إلا أنه في الحقيقة ظل ميالا إلى “الوصف” و”التحليل”، وهما عمليتان ابستمولوجيتان تتجاوزان هذا المنهج في حد ذاته. ويتضح ميل محمد خرماش الإبستمولوجي في قوله: “وربما كان من الأجدر والأجدى منهجيا كذلك أن يُدْخَل إلى كل منهج من بابه الخاص، ويُنظر إليه في نطاق فلسفته الشاملة، وفي إطار منظومته المفهومية والإجرائية، فيكون المنهج المُتَّبَع في هذه المرحلة منهجا وصفيا تحليليا يهدف إلى عرض المفاهيم والقضايا وتمحيص دقتها وصحتها ومدى فعاليتها”.
* وقدم الدكتور حميد لحمداني “محاولة لوضع منهجية عامة صالحة للتطبيق بالنسبة لكل ممارسة في نقد النقد”. وتنطلق هذه المنهجية عنده من التساؤلات التالية:
- ما مدى “صلاحية المناهج المتبعة في تحليل الإبداع بالنسبة لدراسة وتحليل الأعمال النقدية” ؟
- ما هو “البعد المعرفي الإبستمولوجي في تحليل الأعمال النقدية” ؟
- “ما هو الموقف الذي ينبغي أن يتخذه ناقد النقد وهو يعالج أعمالا نقدية تحتك هي وحدها بالإبداع”؟.
وقد خلص بهذه التساؤلات إلى مجموعة من المبادئ، منها:
- الحديث عن “منهجية نقد النقد” يجب أن يراعي كون “نقد النقد مرتبطا بنقد الإبداع لا بالإبداع ذاته”.
- على ناقد النقد أن يتخلى عن تبني مناهج نقد الإبداع وأن “يشتغل في الحقل الإبستمولوجي”. أي أن يستمد أدواته المنهجية ومفاهيمه من علم المعرفة لأن موضوعه (النقد) عبارة عن نتاج معرفي.
- على ناقد النقد أن يعتمد أداة “الوصف”، وأن يلتزم “موقفا حياديا مبدئيا” تجاه الاختيار المنهجي للناقد المدروس.
إن ما يميز هذا الجهد في نظرنا هو أنه لم يقف عند حدود رسم مبادئ عامة لنقد النقد، وإنما تجاوز ذلك إلى وضع مقاييس وضوابط للتحليل، مستمدة من التصورات الإبستمولوجية، تمكن من التطبيق العملي لهذه المبادئ من خلال التعامل المباشر مع الأعمال النقدية.
* ويقترح محمد الدغمومي “نموذجا للتفكير في النقد” انطلاقا من “نقد النقد” ومن “التنظير النقدي”. وذلك في إطار “إبستمولوجيا نوعية خاصة بموضوع معرفي هو النقد الأدبي”. فقد عمد هذا الباحث أولا إلى تحديد النقد من خلال رصد علاقاته بمختلف الحقول والمباحث (حقل الأدب، حقل المعرفة، حق العلم، حقل النقد ذاته، حقل الثقافة، حقل الحياة، حقل الإيديولوجيا). أما نقد النقد فقد رأى أنه يحرك ثلاثة خطابات: خطاب تأريخ النقد، وخطاب تحقيق النقد، ثم خطاب تعليم (تقريب) النقد. كما ألحق بهذه الخطابات خطابا آخر اعتبره، في نفس الوقت، متميزا عن نقد النقد، وهو “خطاب التنظير”.
فخطاب التأريخ “فعل يريد فهم النقد في علاقته بشروط تكونه”، وخطاب التحقيق “فعل يريد فهم النقد في ضوء قواعد محددة للنقد”؛ وخطاب التعليم “فعل يريد تطويع النقد لحاجة عملية تعليمية أو ثقافية في الغالب” ؛ أما خطاب التنظير فهو فعل يتوجه نحو “إنتاج معرفة منظمة لحل مشكل متعلق بالموضوع المفكر فيه”.
تهدف أطروحة الدغمومي إذن إلى تنظيم وتصنيف كل من حقل النقد وحقل نقد النقد، وهي بذلك تحاول سد فراغ ملحوظ دون شك. وإذا كنا سنشير إلى بعض تصوراتها ضمن منظورنا الخاص لنقد النقد، فلا بأس أن نستبق ذلك بالملاحظات التالية:
- يطغى في هذه الأطروحة هاجس التنظيم والتصنيف والتأطير، وهذا ينسجم طبعا مع أهدافها المعلنة في المقدمة. ولذلك فهي لم تشغل نفسها بجانب الممارسة في نقد النقد، أي أنها لا تعنى بأسئلة المنهج في نقد النقد (كيف ندرس عملا نقديا؟ ما هي المنهجية المناسبة للتعامل مع النقد؟)، وإنما اهتمت أكثر بالمبادئ العامة المصنفة لأنواع النقد وأنواع نقد النقد، ولذلك فهي ليست أطروحة في نقد النقد، وإنما حول نقد النقد (وحول تنظير النقد).
- يحضر في هذه الأطروحة، من أولها إلى آخرها، ارتباك ملحوظ بخصوص التمييز بين “نقد النقد” و”التنظير النقدي”: فهذا التنظير هو تارة خطاب ضمن خطابات نقد النقد، وتارة خطاب مستقل ومتعال يهدف إليه نقد النقد، وتارة أخرى- وهذا أغرب- خطاب يشكل إلى جانب النقد موضوعين لنقد النقد! يقول محمد الدغمومي: “يمكننا أن نتحدث عن نقد النقد من خلال أربعة خطابات هي: 1- خطاب التعليم؛ 2- خطاب التأريخ؛ 3- خطاب التحقيق؛ 4- وخطاب التنظير”. وقبل ذلك يذكر الخطابات الثلاثة الأولى، “إضافة إلى متن تنظير النقد بصفته خطابا رابعا”، ويصرح بأن”كل خطاب هنا فعل يحرك النقد في اتجاه يكيفه بصورة ما”.
وفي موضع آخر، يذهب إلى أن “نقد النقد ليس تنظيرا وأن التنظير ليس نقدا للنقد” ، لأن “خطاب نقد النقد ينكب على النقد من أجل إنجاز عمل على عمل موجود”، في حين أن “خطاب التنظير ينكب على النقد من أجل اقتراح بديل جديد”. ثم نجده في موضع آخر يقول بأن “التنظير والنقد هما معا موضوع نقد النقد”.
والحقيقة أن الدغمومي ظل يحس بهذا الإرتباك خلال مجموع عمله، لذلك نجده يشير مرارا إلى التداخلات والتقاطعات الحاصلة بين النقد ونقد النقد ونظرية الأدب والنظرية النقدية وما يسميه بـ”التنظير النقدي” وقد بدا أحيانا أنه يضع “التنظير النقدي” ضمن المسافة الفاصلة بين “نقد النقد” من جهة و”نظرية الأدب” من جهة أخرى، إذ قال: “إنه فعل ما قبل النظرية دائما، بمعنى أن التنظير قد يكون مسبوقا بنظرية وقد يكون سابقا لنظرية” وهكذا يبقى التنظير خارجا عن “النظرية” ، وفي نفس الوقت خارجا عن “نقد النقد”.
- نسلم بأن خطاب تأريخ النقد وخطاب تنظير اشتغالان حاضران ضمن نقد النقد- وهو ما سنوضحه لاحقا- غير أن خطاب التحقيق وخطاب التعليم يثيران لدينا بعض التحفظ.
فالتحقيق عملية تقنية بالأساس: التحقق من تطبيق النقد لنظرية ما، أو التحقق من اندراج (أو عدم اندراج) عمل نقدي ضمن اتجاه منهجي أو جمالي أو إيديولوجي ما… إلخ. ولذلك فالتحقيق عملية تتم ممارستها داخل نقد النقد (ضمن خطاب التنظير أو التأريخ) باعتبارها خطوة من الخطوات المنهجية وليس خطابا قائم الذات ومستقلا عن الخطابات الأخرى.
أما خطاب التعليم فهو ذو خصوصيات أخرى وطبيعة مخالفة تمنعه من أن يندرج في إطار نقد النقد، وذلك لأنه ليس مرتهنا باعتبارات نقدية وإنما بيداغوجية، ولأنه ينقل ما يشاء من خطابات نقد النقد فيبسطها ويكيفها حسب غايات غير نقدية.
* خصص محمد مفتاح أحد محاور كتابه: “النص من القراءة إلى التنظير” للحديث عن “المنهاجية ونقد النقد”، ساعيا إلى تأصيل “أسس ابستمولوجية لنقد النقد”. فقد بادر إلى تقويم تجربته الخاصة في تحليل الخطاب الشعري: “سنحاول في هذا البحث أن نعرض تجربتنا في ممارسة “تحليل الخطاب” بما لها وما عليها”. وقد دفعه هذا الأمر إلى عرض تجربته مع اللسانيات باحثا عن منهجية “صالحة” لتحليل الخطاب الشعري، وإلى كشف الأسس الفلسفية الميتافيزيقية لبعض النظريات اللسانية والسيميائية الغربية، فخلص إلى تحديد ثلاثة متطلبات كان إغفالها- حسب رأيه- “مضرا بالكتب المؤلفة في نقد النقد”:
1- البحث عن منهاجية ملائمة. وهنا يقترح مبادئ عامة “سيميوطيقية” لتحليل الشعر.
2- غربلة المنجزات الأجنبية ومخلفات التراث العربي. وبالخصوص الوقوف على أصولها الميتافيزيقية ومحدوديتها من أجل تقديم “مشروع نقدي بناء”.
3- تأصيل أسس ابستمولوجية لـ”نقد النقد”. وهنا يقترح بعض الأفكار التي يرى أنها “يمكن أن توجه الأبحاث المقبلة”، ومنها “ضرورة ضبط الحدود بين البلاغة والنقد لإقامة جسور بينهما” ، و”ضرورة ضبط معنى النظرية والمنهاج”. كما يشير إلى متطلبات نقد النقد، وهي كلها تتعلق بالإدراك الإبستمولوجي والتاريخي للعلوم، من حيث نشأتها وأسسها وحدودها.
ولا يخفي ما لهذه الأفكار من أهمية، كما لا يجهل أي متتبع ما يقدمه الدكتور مفتاح من تجربة في البحث عن المنهج الكفيل بإبراز خصوصية الأدب العربي، قديمه وحديثه. غير أن المنظور الخاص الذي نشتغل وفقه يجعلنا نقف عند الملاحظات التالية:
يفهم الدكتور مفتاح “نقد النقد” هنا بالمعنى الذي يفيد مراجعة التجربة الخاصة وإعادة النظر في المرجعيات المفاهيمية والمنهجية التي تحكمت في اشتغالاته السابقة، وتلك التي يمكن أن توجه اشتغالاته المستقبلية. فنقد النقد هنا قريب من المعنى الذي اشتغل وفقه تودوروف معتبرا إياه بمثابة “رواية تعلم”. ولا شك أن هذا الاشتغال لا يخرج عن دائرة نقد النقد، إلا أنه يبقى سجين التجربة الفردية الخاصة، إذ يكون ناقد النقد هو نفسه الناقد المنقود.
كما يغيب عن اقتراح الدكتور مفتاح الاهتمام بوضع آليات منهجية ومفاهيمية لمباشرة الأعمال النقدية، وهو ما نعتبر أننا بحاجة إليه. فقد طرح مبادئ عامة، هي أقرب إلى فلسفة النقد منها إلى منهجية نقد النقد.
* وانتبه الباحث محمد بالأشهب إلى أن “الإشكالية الأساسية التي تجابه ناقد النقد” هي “المنهجية التي ينتهك بها موضوعه” كما لم تفته الإشارة إلى “ارتهان” نقد النقد بالتراكمات المتحققة في النقد والتي تتطلب خطابا ما ورائيا حولها من جهة، وبـ”الانشغال الخصيب بالدرس الابستمولوجي على مستوى العلوم الإنسانية” من جهة أخرى.
وقد حدا حدو حميد لحمداني أيضا حين قال بأن “إخضاع النص النقدي لنفس المناهج المقاربة للنص الأدبي، وإن كنا لا نعدم فيه بعض المكاسب، فإنه لا يراعي خصوصية نقد النقد كموضوع قائم بذاته يتطلب تصورا نظريا نوعيا وخاصا به، تحدده الخصوصية نفسها”. ولذلك رأى بأن “طبيعة ونوعية العمل المطلوب [أي نقد النقد] تماسان مجال الابستمولوجيا، نظرا لما تقتضيه من فعالية للتحليل النقدي وإمكانية المعاينة لأساليب وطرق البحث والتفكير”.
وعموما فقد وقف هذا الباحث طويلا عند مفهوم النقد وعلاقته بالأدب، إلا أنه لم يقدم أدوات منهجية عملية لمباشرة الأعمال النقدية.
لاحظنا إذن أن هناك مجهودات رامية إلى إنضاج مبحث نقد النقد. ورغم الاختلافات الواضحة بين هذه المجهودات، وعدم خوض معظمها في ما يتطلبه نقد النقد من منهج وإجراءات عملية تنظم دراسته المباشرة للمتون النقدية، إلا أنها كلها تؤكد أهمية نقد النقد وضرورته لمراجعة النقد العربي وتتبع مساره. كما أنها تؤكد ضرورة التمييز بين النقد ونقد النقد باعتبار الأول موضوعا للثاني، ومن ثمة ضرورة التفكير في منهج ميتا- نقدي يتلاءم مع طبيعة نقد النقد وأهدافه.
*   *   *   *   *
من أجل توضيح تصورنا العام لنقد النقد- وهو تصورمبني على ما أوردنا بخصوص النقد الأدبي وأبعاده الثلاثة- ننطلق من التعليق على مقاطع جاءت في دراسة نبيل سليمان (ناقد النقد) لأعمال أدونيس النقدية، إذ يقول:
أ- “أدونيس يصف شعر الخوارج بأنه شعر مغلق (…) إن ارتباط الشعر الخارجي بإيديولوجية معينة، وتجسيده لقناعات الخوارج النهائية وبثه لمضمون إيديولوجي، كل ذلك لم يمنع أدونيس في البداية من تصنيف هذا الشعر كمتابعة لخط عروة [بن الورد]” (ص: 37).
ب- إن المشروع النقدي لأدونيس “لا يخرج عن أن يكون محاولة بورجوازية صغيرة (…) في ممارسة دور تاريخي. وإنها لمحاولة هامة لا ريب، خاصة أنها تأتي في الستينات والسبعينات العربية، هذه المرحلة التاريخية البورجوازية الحافلة والمصيرية فعلا” (ص: 39).
ج- “يخرج أدونيس من ذلك بدلالة على التطور اللامتساوي في العهد الأموي بين البنية التحتية الاقتصادية وتطور البنية الثقافية. إنه لا يلتزم بحده المنهجي في حصر البحث في البنية الفوقية (…) ولكن كيف يمكن الوصول إلى تلك الدلالة التي تتضمن تقييما معينا للبنية التحتية دون أدنى خوض فيها. تلك هي مغبة تعطيل الديالكتيك في المنهج الأدونيسي” (ص: 38).        
يتناول نبيل سليمان هنا عملا نقديا من أعمال الناقد أدونيس، إلى جانب أعماله الأخرى وأعمال نقدية لنقاد آخرين (خالدة سعيد، كمال أبوديب، خلدون الشمعة، صدقي إسماعيل، رياض عصمت، جورج طرابيشي، وغيرهم). وهذا يعني أننا يمكن أن نختار مقاطع أخرى كثيرة من هذا العمل تفي بنفس الغرض الذي سنذهب إليه.  
من خلال هذه المقاطع الثلاثة، يتبين أن ناقد النقد يعلق تارة على ما جاء من كلام الناقد حول شعر الخوارج، فيعترض عليه بنظرته “النقدية” الخاصة لهذا الشعر، واضعا نفسه بين العمل النقدي والمتن الأدبي المدروس (= أ)؛ وتارة أخرى يربط الناقد بالإيديولوجيا البورجوازية العربية السائدة في الستينات والسبعينات من القرن العشرين، فيضع نفسه بين الناقد وبين التاريخ (= ب)؛ وتارة ثالثة يعلق على الخطوات المنهجية والمفاهيم المستخدمة من قبل الناقد، فيضع نفسه بين هذا الأخير وبين المنهج والنظرية اللذين يصدر عنهما (= ج).
وإذا كنا لا نعترض على أن يكون ناقد النقد شاملا يدرس العمل النقدي في جميع أبعاده الأدبية والفكرية والمنهجية (رغم أن في ذلك خلطا لمنظورات متباينة)، فإننا نرى ضرورة التمييز بين مستويات تَدَخُّل نقدِ النقد، كما نرى إلزامية وضع مسافة واضحة بين هذا الأخير من جهة وبين النقد من جهة أخرى.
وعلى صعيد آخر، لا نريد الخلط بين “نقد النقد” من جهة، وبين كل من “تاريخ النقد” و”نظرية النقد” و”الحوار النقدي” من جهة أخرى
وقد ميز أ. إمبرت بين “تاريخ النقد”، باعتباره “يستعرض النظريات النقدية منذ أفلاطون”؛ وبين “فلسفة النقد” التي هي “دراسة فلسفة اندفاعات الناقد، الضمنية والصريحة”، وبين “نقد النقد” باعتباره “مبحثا يدرس المفاهيم والمستويات النوعية”.
غير أننا على الصعيد العملي، نجد نقد النقد يضطلع بكل هذه الوظائف والمهام، رغم أن هذه المباحث ذات وجود قائم. فنقد النقد أداة لكل هذه المباحث، وذلك لأنه كفيل بأن يقدم ثلاث استجابات أساسية: استجابة جمالية، واستجابة تأريخية، واستجابة إبستمولوجية:
* تتجلى الاستجابة الجمالية في اهتمام ناقد النقد بالعلاقة بين النص الأدبي والناقد، إذ يفحص الجسر الرابط بينهما فيصبح عبارة عن قارئ جديد لهذا النص في ضوء العمل النقدي المدروس، مع ما يترتب عن ذلك من اتفاق أو اختلاف مع الناقد الأول، (انظر كلام نبيل سليمان (أ)). فناقد النقد في هذه الحال يصدر أولا (وأخيرا) عن قراءته للنص الأدبي وفهمه الخاص له. ولعل أوضح تجل لهذه الاستجابة الجمالية في نقد النقد، هي تعليق مبدع ما على عمل نقدي درس أحد إبداعاته
* أما الاستجابة التأريخية لنقد النقد فتتجلى عند وضع العمل النقدي في إطار فكري أو إيديولوجي محدد، ضمن حقبة تاريخية معينة، حيث تتم مناقشة التوجه الفكري للناقد أو رؤيته للعالم، وبالتالي وضعه ضمن المسار الثقافي والتاريخي الذي ينخرط فيه (انظر كلام نبيل سليمان (ب)). فناقد النقد هنا، وبهذه الاستجابة التأريخية، يقف بين العمل النقدي من جهة وبين تاريخ النقد والتاريخ عموما من جهة أخرى
* أما الاستجابة الابستمولوجية لنقد النقد، فتكمن في التركيز على الجانب العلمي والنظري للعمل النقدي، إذ يتم فحص المناهج والمفاهيم المستعملة من قبل الناقد للوقوف على الطريقة التي ينتقل بها هذا الأخير من القراءة البسيطة إلى القراءة العالمة للنص أو للموضوع المدروس. فهذه الاستجابة تجعل ناقد النقد يضع نصب عينيه البناء العلمي للعمل النقدي، فيرصد فيه المرجعيات النظرية والمنهجية والمفاهيم وعمليات البرهنة والخطوات وغير ذلك من أدوات الخطاب العلمي، ولذلك فهو يقف بين العمل النقدي من جهة وبين الابستمولوجيا من جهة أخرى.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاستجابات الثلاث تحضر دائما في كل عمل لنقد النقد، إذ لا يفتأ ناقد النقد يأخذ بعين الاعتبار الأدب الذي يدرسه الناقد، ولو بشكل ضمني؛ كما أنه لا ينفك ينظر إلى العمل النقدي من منظور تاريخي معين، مهما كان هذا المنظور واسعا وبديهيا؛ ويتحدث بالضرورة عن البناء العلمي لهذا العمل.. فالاستجابة الجمالية هاجس لابد منه في نقد النقد، مادام هذا الأخير مرتبط بمجال الأدب والفن. كما أن الاستجابة التأريخية تفرض نفسها بشكل أو بآخر، سواء قصد إليها ناقد النقد أم تجنبها. وأيضا فإن مجرد الإشارة إلى مفهوم أو إجراء منهجي استعمله الناقد، تدل على الاستجابة الابستمولوجية. لذلك يمكن الاحتكام في تصنيف أعمال نقد النقد إلى هيمنة هذه الاستجابة أو تلك، بحسب تركيز ناقد النقد على  تعامل الناقد مع الأدب أو على طروحاته الفكرية التي تؤطر الأدب إيديولوجيا وزمنيا، أو على أدواته العلمية والمنهجية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://manahijnaqdia.3oloum.org
 
ستار تايمز نقد النقدالأدبي ووظائفه الثلاثة (موضوع منقول عن نفس الموقع)نقد النقد الأدبي ووظائفه الثلاث ناصح2020  16:48 - 2010/03/14 معلومات عن العضو
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» صباح الخيرات ....مسجات ليبيه
» حلقتان للشيف الشربيني تحميل
» فياضنات غرداية
» قوانين المدرسة لعام 2020 غريبة جدااااا
» خلفيات كيوت تصلح للبور بوينت

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى مناهج النقد الأدبي المعاصر :: أبحاث و دراسات-
انتقل الى: